الشيخ الطوسي
125
التبيان في تفسير القرآن
وقهر هواه بعقله فقال : ( ثم استوى إلى السماء ) في تفرده بملكها ، ولم يجعلها كالأرض ملكا لخلقه ومنه قول الشاعر : فلما علونا واستوينا عليهم * تركناهم صرعى لنسر وكاسر وقال آخر : ثم استوى بشر على العراق * من سيف ودم مهراق وقال الحسن : ثم استوى امره وصنعه إلى السماء ، لان أو امره وقضاياه تنزل من السماء إلى الأرض وقال بعضهم استوى بمعنى استوت به السماء كما قال الشاعر : أقول له لما استوى في تراثه * على أي دين قتل الناس مصعب ( 1 ) وأحسن هذه الوجوه أن يحمل على أنه علا عليها فقهرها ، وارتفع فدبرها بقدرته ، وخلقهن سبع سماوات ، فكان علوه عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال ، وبعد ذلك قول من قال : قصد إليها فخلقها ، ولا يقدح في الأول علوه تعالى على الأشياء فيما لم يزل ، لأنه وإن كان كذلك لم يكن قاهرا لها بحلقها ، لان ذلك متجدد ، وإنما قال : إلى السماء ولا سماء هناك كما يقول القائل : اعمل هذا الثوب وإنما معه غزل ، وقال قوم : إنما سواهن سبع سماوات بعد ان كانت دخانا والأول أملح ، وقال الرماني السماوات غير الأفلاك لان الأفلاك تتحرك وتدور واما السماوات لا تتحرك ولا تدور لقوله تعالى : ( ان الله يمسك السماوات والأرض ان تزولا ) ( 2 ) وهذا ليس بصحيح ، لأنه لا يمتنع أن تكون السماوات هي الأفلاك وان كانت متحركة ، لان قوله تعالى : ( يمسك السماوات والأرض أن تزولا ) معناه لا تزول عن مراكزها التي تدور عليها ولولا امساكه لهوت بما فيها من الاعمالات سفلا ومعنى ( سواهن ) أي هيأمن وخلقهن وقومهن ودبرهن والتسوية التقويم والاصلاح يقال سوى فلان لفلان هذا الامر أي قومه واصلحه وقال الفراء : السماء واحدة تدل على الجمع فلذلك قال : ( ثم استوى إلى السماء ) فذكرها بلفظ الواحد ثم اخبر عنها بلفظ الجمع في قوله : ( فسواهن ) وقال
--> ( 1 ) لم يعرف قائل هذا البيت في مطبوعة " الطبري " " ترابه " بدل تراثه ( 2 ) سورة فاطر : آية 41